ابن قيم الجوزية
123
البدائع في علوم القرآن
مقاصد السور والآيات فصل تأمل سر ألم كيف اشتملت على هذه الحروف الثلاثة ، فالألف إذا بدئ بها أولا كانت همزة ، وهي أول المخارج من أقصى الصدر ، واللام من وسط مخارج الحروف ، وهي أشد الحروف اعتمادا على اللسان ، والميم آخر الحروف ومخرجها من الفم ، وهذه الثلاثة هي أصول مخارج الحروف أعني الحلق واللسان والشفتين . وترتيب « 1 » في التنزيل من البداية إلى الوسط إلى النهاية . فهذه الحروف معتمد المخارج الثلاثة التي تتفرع منها ستة عشر مخرجا فيصير منها تسعة وعشرون حرفا عليها مدار كلام الأمم الأولين والآخرين ، مع تضمنها سرا عجيبا ، وهو أن للألف البداية واللام التوسط ، والميم النهاية ، فاشتملت الأحرف الثلاثة على البداية والنهاية والواسطة بينهما ، وكل سورة استفتحت بهذه الأحرف الثلاثة فهي مشتملة على بدء الخلق ونهايته وتوسطه فمشتملة على تخليق العالم وغايته وعلى التوسط بين البداية والنهاية من التشريع والأوامر ، فتأمل ذلك من البقرة ، وآل عمران ، وتنزيل السجدة ، وسورة الروم . وتأمل اقتران الطاء بالسين والهاء في القرآن ، فإن الطاء جمعت من صفات الحروف خمس صفات لم يجمعها غيرها ، وهي الجهر والشدة والاستعلاء والإطباق و [ الإصمات ] « 2 » ، والسين مهموس رخو مستفل صفيري منفتح فلا يمكن أن يجمع إلى الطاء حرف يقابلها كالسين والهاء فذكر الحرفين اللذين جمعا صفات الحروف . وتأمل السور التي اشتملت على الحروف المفردة كيف تجد السورة مبنية على كلمة ذلك الحروف فمن ذلك « ق » ، والسورة مبنية على الكلمات القافية « 3 » من ذكر القرآن ، وذكر الخلق ، وتكرير القول ومراجعته مرارا ، والقرب من ابن آدم ، وتلقي الملكين قول العبد ،
--> ( 1 ) لعلها : وترتيبها ( 2 ) ذكر المؤلف أربعة ، والإصمات خامس هذه الصفات ، إلى جانب صفة القلقلة . ( 3 ) التي تشتمل على حرف « القاف » ، وما ذهب إليه ابن القيم رحمه اللّه على الغالب ، وليس مطردا واللّه أعلم .